نبيل أبوالياسين: لـ«القارئ» تراجع ترامب.. وتصدي كندي.. وتشكيك أوروبي في «مجلس السلام»
في قمة دافوس التي قد تُسجَّل على أنها لحظة الانعطاف الحقيقية في النظام العالمي، لم تعد الخطابات تدور حول التعاون الاقتصادي، بل تحوّلت إلى ساحة مواجهة مفتوحة.
تتصدّر المشهد تهديداتٌ أمريكية بضمّ أراضي حلفاء، وتراجعٌ مفاجئ عنها، وصرخة أوروبية مدوّية ضدّ «قانون الأقوى»، بينما تُعدُّ كندا - بلطفها المعهود - لسيناريو دفاعٍ مرير عن سيادتها.
في خلفية هذا المشهد المضطرب، يُلوح «مجلس سلام» جديد يقوده البيت الأبيض، يرفضه البعض باعتباره نذير تفكيك للأمم المتحدة، ويتلقّفه آخرون كمنفذٍ في نظامٍ دولي لم يعد يخدم سوى مصالح القلة. دافوس 2026 لم تكن منتدى، بل كانت تشريحاً حياً لشرخٍ تاريخي في جسد التحالف الغربي.
تراجع تكتيكي أم تصعيد مقلق؟ تهديدات ترامب توقظ أوروبا
شكّل إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التراجع عن استخدام القوة لضمّ جرينلاند مفاجأةً في دافوس، لكنه لم يُهدئ من روع الحلفاء.
فالتصريحات السابقة التي وصف فيها الدنمارك بأنها «دولة غير ممتنة» وتهديده بفرض رسوم جمركية عقابية على دول أوروبية، أحدثت صدمة عميقة.
الردّ الأوروبي كان سريعاً وحاسماً: تجميد اتفاق تجاري مع واشنطن، واجتماعات طارئة للسفراء، ورفضٌ قاطع لفرض الأمر الواقع.
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وصف السلوك الأمريكي بأنه تحوّل نحو «قانون الأقوى» وتساؤل علني عما إذا كانت كندا التالية لتصبح «الولاية الأمريكية الحادية والخمسين».
بينما حذّر الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير من تحوّل العالم إلى «عرين لصوص»، التراجع الأمريكي عن القوة العسكرية لم يُخفِ حقيقة التصعيد الدبلوماسي والاقتصادي الذي دفع العلاقات عبر الأطلسي إلى حافة الهاوية.
من الدفاع إلى التمرد: كندا تخطط لسيناريو مرير
في حين دعم رئيس الوزراء الكندي مارك كارني علناً سيادة الدنمارك على جرينلاند ورفض استخدام الرسوم الجمركية كأداة ضغط، كشفت تقارير عن استعدادات كندية أكثر قتامة.
فقد وضع الجيش الكندي نموذجاً عسكرياً نظرياً لمواجهة غزو أمريكي «افتراضي»، يقوم على تكتيكات حرب العصابات والتمرد، شبيهة بتلك التي استخدمت في أفغانستان، في اعتراف صارخ بعدم إمكانية المواجهة المباشرة مع الجار الجنوبي.
يأتي هذا في ظل استمرار تلميحات ترامب السابقة عن جعل كندا «الولاية رقم 51»، ونشره لخريطة معدلة تظهر كندا مغطاة بالعلم الأمريكي. هذا التحضير، وإن كان نظرياً، يرسل رسالة دراماتيكية عن مستوى انعدام الثقة وتحوّل أعمق حليف لواشنطن إلى دولة مضطرة للتخطيط لأسوأ الاحتمالات في علاقتها الثنائية.
«مجلس قوة لشخص واحد»: جدل عالمي يلف مقترح ترامب للسلام
وسط هذه العاصفة، يسعى ترامب لإطلاق «مجلس السلام» الذي يُفترض أن يشرف على إعادة إعمار غزة، لكن مقترحه واجه تشكيكاً دولياً واسعاً.
قلب الجدل يكمن في بنود الميثاق المسرّب: طلب مساهمة مليار دولار للحصول على مقعد دائم، ومنح الرئيس الأمريكي صلاحيات واسعة بما في ذلك اختيار خليفته، وانتقاده الصريح للمؤسسات الدولية القائمة.
ماري روبنسون، الرئيسة الأيرلندية السابقة، وصفت المجلس بأنه «مجلس قوة لشخص واحد» وليس أداة لصنع السلام.
بينما أبدت كندا تحفظاً، مشيرة إلى حاجتها لمعرفة التفاصيل كافة ورفضها الدفع مقابل مقعد، أعلنت فرنسا رفضها الانضمام لأنه «يثير تساؤلات جوهرية» حول احترام مبادئ الأمم المتحدة.
في المقابل، قبلت المغرب الدعوة، بينما تدرسها الأردن. الجدل كشف انقساماً واضحاً في الرؤية الدولية لمستقبل الحوكمة العالمية.
من «مجلس قوة لشخص واحد» إلى «حكم العالم»: فخ ترامب لتقويض الشرعية الدولية
لم تكن قضية إعادة إعمار غزة في أجندة ترامب سوى «حصان طروادة» لاقتحام حصون النظام الدولي؛ فالمجلس الذي بدأ كفكرة إقليمية إنسانية، سرعان ما تمدد ليصبح «مجلس سلام عالمي» بصلاحيات إمبريالية، في استغلالٍ جليّ لأزمات الشرق الأوسط لبناء بديل موازٍ لمنظمة الأمم المتحدة.
إن هذا القفز فوق الشرعية الدولية وتجاهل المؤسسات الأممية الراسخة في ملف شائك كملف غزة، ليس مجرد تهميش بروتوكولي، بل هو مؤشر خطير ينذر بميلاد نظام عالمي «منتهي الصلاحية»، تُدار فيه شؤون الكوكب من خلال «رؤية الشخص الواحد» وقوة الفرد، بعيداً عن مبادئ المساواة السيادية بين الدول.
هذا التحول الجذري يضع العالم أمام حقيقة مريرة: أن عهد المؤسسات قد ولى، وأننا بصدد هيكلية دولية جديدة تُفصّل على مقاس البيت الأبيض، حيث يُباع "السلام" كسلعة لمن يملك مليار دولار، ويُمنح فيها حق النقض «الفيتو» لشخص واحد يتحكم في مصير الاستقرار العالمي.
وهو تحول لا يأتي من فراغ، بل هو الوجه الآخر لعملية تفكيك مُمنهجة للنظام القائم. فما يظهر في دافوس كمشروع جديد، هو في الحقيقة تتمة لاستراتيجية أوسع من "الانسحاب المنهجي" الذي تقوده واشنطن منذ سنوات.
الانسحاب المنهجي: واشنطن تمهد الطريق لمشروعها العالمي الجديد؟
تأتي دعوة «مجلس السلام» في سياق استراتيجي أوسع، يتمثل في انسحاب الولايات المتحدة المنهجي من عشرات المنظمات الدولية.
فقد وقّع ترامب مذكرة رئاسية تسحب بلاده من 66 منظمة، تشمل 31 كياناً تابعاً للأمم المتحدة مثل «لجنة بناء السلام» و«الاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة بشأن تغير المناخ»، و35 منظمة دولية أخرى. يُصنّف البيت الأبيض هذه المنظمات على أنها «متناقضة مع مصالح الولايات المتحدة».
هذا الانسحاب الجماعي لا يخلق فراغاً في الحوكمة العالمية فحسب، بل يطرح سؤالاً جوهرياً: هل تسعى واشنطن إلى تفكيك النظام متعدد الأطراف القائم لتحلّ محله هياكل جديدة، مثل «مجلس السلام»، تكون أكثر تركيزاً وخاضعة لنفوذها المباشر؟ يبدو أن الإجابة تتجلى في دافوس يوماً بعد يوم.
الازدواجية والشقاق: شرخ يهدد النظام العالمي
تساهم أزمة المصداقية الناجمة عن ازدواجية المعايير في تعميق هذا الشرخ، ففي الوقت الذي تدافع فيه أوروبا عن سيادة الدنمارك على جرينلاند، تتهمها جهات كثيرة بالتزام الصمت النسبي أو الفعل البطيء تجاه انتهاكات القانون الدولي في أماكن أخرى، مثل الاستيطان الإسرائيلي وانتهاكات حقوق الفلسطينيين.
رئيس الوزراء الكندي مارك كارني وصف الوضع في دافوس بأنه «تمزق في النظام العالمي»، ونهاية «لقصة لطيفة» وبداية «لواقع وحشي في الجغرافيا السياسية العالمية».
هذا الاعتراف من قلب المؤسسة الغربية يعكس إدراكاً بأن النظام القائم على القواعد الذي ازدهرت تحته دول كثيرة أصبح الآن تحت التهديد، ليس من قوى خارجية فحسب، بل من الداخل أيضاً، حيث تتحول أدوات التعاون الاقتصادي إلى أسلحة وتُستَخدم الرسوم الجمركية كوسيلة للابتزاز.
وختامًا إن ما جرى في دافوس هو أكثر من خلاف دبلوماسي عابر؛ إنه ناقوس خطر يدقّ لنظام عالمي يقف على مفترق طرق.
لقد فضح الأسبوع الماضي الوهم الخطير بأن المصالح المشتركة والقيم التاريخية كافية للحفاظ على التحالفات في وجه سياسة القوة الأحادية.
التحدي الذي تطرحه إدارة ترامب - عبر جرينلاند، ومجلس السلام، والانسحابات الدولية - هو تحدٍّ وجودي للحلفاء: إما القبول بدور التابع الذي يدفع الثمن ويذعن للأمر الواقع، أو النهوض للدفاع عن مفهوم مختلف للسيادة والتعاون.
مستقبل النظام الدولي لن يُحدد في قاعات الأمم المتحدة القديمة فحسب، بل أيضاً في قدرة الدول المتوسطة والصغيرة، من أوتاوا إلى باريس وكوبنهاغن، على توحيد صفوفها ورفع ثمن الانقسام.
إما أن تنتصر فكرة القانون على «قانون الأقوى»، أو نشهد جميعاً ميلاد عالم جديد، قاسٍ، تحكمه شريعة الغاب، حيث تتهاوى آخر القلاع الواهية للنظام الذي عرفناه. اللعبة على المحك، والرهان هو مستقبل عالمنا المشترك.
- مجلس
- القانون
- الوزراء
- دية
- السلوك
- سلع
- صلاح
- روبي
- درة
- أبوالياسين
- الاقتصاد
- واشنطن
- الرئيس
- اقتصاد
- مؤشر
- حكم
- قلق
- الاستقرار
- الوقت
- داره
- المتحدة
- ضغط
- لصوص
- وقت
- قلب
- مشروع
- الرسوم
- الرئيس الفرنسي
- أبو
- فرنسا
- المناخ
- السلام
- كاف
- فتوح
- عمل
- الاقتصادي
- أوروبا
- الدول
- تجار
- التمر
- تألية
- المغرب
- العالمي
- آلام
- دونالد ترامب
- ترامب
- الأبيض
- البيت الأبيض
- حقوق
- قانون
- تمر
- لانس
- طره
- الرئيس الامريكي
- آبل
- نبيل أبوالياسين
- غزة
- العلاقات
- حرب
- كندا
- العالم
- القارئ نيوز



