الخميس 19 فبراير 2026 الموافق 02 رمضان 1447
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس مجلس الإدارة
محمد جودة الشاعر
رئيس التحرير
د.محمد طعيمة
القارئ نيوز القارئ نيوز
رئيس مجلس الإدارة
محمد جودة الشاعر
رئيس التحرير
د.محمد طعيمة

«مدفع رمضان».. حكاية الصوت الذي وحد قلوب المصريين فوق مائدة الإفطار

مدفع رمضان
مدفع رمضان

يعتبر «مدفع رمضان» واحداً من أعمق الطقوس الشعبية جذوراً في الوجدان المصري، فهو ليس مجرد آلة عسكرية قديمة، بل هو رمزٌ روحي واجتماعي ارتبط بذاكرة أجيال تعاقبت على أرض المحروسة. 

من فوق ربوة «قلعة صلاح الدين الأيوبي» الشامخة، انطلقت أولى صرخات هذا المدفع لتعلن للعالم أن وقت الصيام قد انقضى وأن لحظة الاجتماع على مائدة الإفطار قد حانت.

وعلى مر القرون، تحول هذا التقليد من مجرد وسيلة لتنبيه الصائمين إلى «أيقونة رمضانية خالدة» لا تكتمل بهجة الشهر الكريم بدون سماع دويه المميز. 

لقد نجح المدفع في خلق حالة من التناغم بين السلطة والمجتمع، حيث أصبح صوته هو اللغة الرسمية التي يفهمها الجميع، من القصور الملكية وصولاً إلى أزقة الحسين والسيدة زينب، معلناً حلول لحظات الروحانية والبهجة.

«المصادفة التاريخية».. كيف أصبح المدفع إشارة رسمية للإفطار؟

تتعدد الروايات حول نشأة هذا التقليد، إلا أن أشهرها تعود إلى القرن الخامس عشر الميلادي، وتحديداً في أواخر القرن التاسع الهجري.

 وتروي كتب التاريخ أن أول إطلاق للمدفع جاء عن طريق «المصادفة البحتة»، حينما كان السلطان يختبر مدفعاً جديداً في وقت المغرب، فظن سكان القاهرة أن الحاكم استحدث وسيلة مبتكرة لإعلامهم بموعد الإفطار.

وعلى الفور، هرع الأهالي إلى مقر الحكم بالقلعة لتقديم الشكر والثناء على هذه اللفتة الكريمة، وعندما رأى السلطان مقدار السعادة والرضا التي ارتسمت على وجوه المواطنين، قرر إصدار أوامره بجعل إطلاق المدفع تقليداً يومياً طوال أيام «شهر رمضان المبارك». 

ومنذ تلك اللحظة، تحول الخطأ التجريبي إلى قانون غير مكتوب يحكم إيقاع الصيام في مصر.

«مدفع الحاجة فاطمة».. الفرمان الملكي الذي خلد التجربة

رواية أخرى لا تقل أهمية، تربط تاريخ المدفع بعهد «الخديوي إسماعيل» في القرن التاسع عشر. فبينما كان الجنود يقومون بتجربة أحد المدافع، انطلقت قذيفة تزامنت بدقة مع أذان المغرب في أول أيام رمضان.

 وسرعان ما انتشر الخبر بين الناس كتقليد ملكي جديد، مما دفع «الحاجة فاطمة»، ابنة الخديوي إسماعيل، إلى تبني الفكرة بحماس شديد.

وبسبب شغفها بهذا الطقس، استصدرت فرماناً رسمياً يقضي باعتماد المدفع كإشارة يومية دائمة للإفطار والسحور أيضاً، ليُطلق عليه المصريون منذ ذلك الحين اسم «مدفع الحاجة فاطمة». 

وقد ساهم هذا الفرمان في إضفاء صبغة رسمية واجتماعية فريدة على المدفع، مما جعله جزءاً أصيلاً من الهوية المصرية الرمضانية التي تميزت بها القاهرة عن غيرها من العواصم الإسلامية.

«من القذائف الحية إلى الفشنك».. تطور آليات الإطلاق

في بدايات ظهوره، كان المدفع يعمل باستخدام «الذخيرة الحية»، ولكن مع مرور الوقت وزيادة الزحف العمراني حول منطقة القلعة، بدأ القلق يتسرب حول سلامة السكان والمباني. 

ومن هنا، تم اتخاذ قرار باستبدال القذائف الحية بشحنات «فشنك» صوتية، وهي عبارة عن بارود يُحدث دوياً هائلاً دون إطلاق أي مقذوفات مادية، وذلك لضمان وصول الصوت إلى أبعد نقطة في القاهرة الكبرى دون تعريض حياة المواطنين للخطر.

ومع حلول عام 1992، واجه المدفع تحدياً جديداً، حيث تبين أن الاهتزازات الصوتية العنيفة والضغط الناتج عن الإطلاق يشكلان خطراً على سلامة «المباني الأثرية» داخل القلعة، مما أدى إلى توقف إطلاقه الفعلي من الموقع التاريخي. 

ومنذ ذلك الوقت، استعاضت الدولة عنه بتسجيلات صوتية يتم بثها عبر «الإذاعة والتلفزيون»، ليظل صوته حاضراً في كل بيت مصري لحظة أذان المغرب.

المدفع.. شاهدٌ حي على أصالة التقاليد المصرية

يظل «مدفع رمضان» رغم صمته الفعلي فوق أسوار القلعة، ناطقاً بلسان التاريخ والأصالة.

 إنه رمزٌ يعكس قدرة المصريين على تحويل المصادفات إلى تقاليد راسخة، والمعدات العسكرية إلى أدوات لبث الفرحة والروحانية.

تم نسخ الرابط