الأحد 25 يناير 2026 الموافق 06 شعبان 1447
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس مجلس الإدارة
محمد جودة الشاعر
رئيس التحرير
د.محمد طعيمة
القارئ نيوز القارئ نيوز
رئيس مجلس الإدارة
محمد جودة الشاعر
رئيس التحرير
د.محمد طعيمة

أبوالياسين: مسؤولة أممية «أولغا تشيريفكو» عين العالم التي حاولت إسرائيل إطفاءها في غزة

القارئ نيوز

في عالم اختلطت فيه الأصوات وتبلدت فيه الضمائر، كانت عيناها نافذة العالم الوحيدة إلى الجحيم، لم تكن أولغا تشيريفكو، المتحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «OCHA» في غزة، مجرد موظفة دولية تؤدي واجبًا وظيفيًا. 

لقد كانت ضميرًا إنسانيًا يمشي على قدمين، وشاهدة عيان ترفض أن تموت الحقيقة تحت أنقاض الدمار. 

عبر هاتفها البسيط، حولت الأرقام المجردة لضحايا الحرب إلى قصص مؤلمة عن أطفال يتضورون جوعًا وهم في انتظار رغيف خبز، وعن عائلات بأكملها تختفي تحت الركام. 

عندما أغلقت السلطات الإسرائيلية الباب في وجهها ومنعتها من العودة، لم تكن تعاقب فردًا، بل كانت تحاول إطفاء آخر شمعة تضيء الظلام الدامس في غزة، وتكميم صوت كان يصرخ في وجه العالم بسؤال واحد مؤلم: «عندما احترقت غزة وتضور الأطفال جوعًا وانهارت المستشفيات.. هل تحركتم؟».


عين الإنسانية في قلب الجحيم

نشأت أولغا في بيئة عسكرية في سيبيريا، وتربت في طائفة مسيحية، وطافت بعضًا من أصعب بؤر النزاع في العالم قبل أن ترسو في غزة.

 لكن شيئًا من ذلك لم يُعدها للفظاعة التي واجهتها هناك. في خطاباتها المؤثرة والمباشرة، لم تستخدم لغة الدبلوماسية الباردة، بل وصفت الواقع بصراحة جارحة. 

وصفت أوامر الإخلاء الإسرائيلية لمئات الآلاف بأنها «حكم بالإعدام» على مدينة غزة، حيث يُجبر الناس على النزوح إلى مناطق مكتظة لا يوجد فيها «حتى متسع للحيوانات الصغيرة لتتحرك». 

كانت تروي قصصًا شخصية تلامس القلب، كقصة صديقها الذي فقد ابن عمه ذي الثمانية أعوام في قصف إسرائيلي بينما كان ينتظر الخبز، أو عن ابنة ذلك الصديق البالغة من العمر عامين والتي «لا تعرف شيئًا في حياتها الصغيرة سوى الحرب».

 كانت تشيريفكو توثق وتنقل: «رائحة الموت التي لا يمكن تخطئها في كل مكان»، والأسر الفارة التي تملأ الشوارع وتحمل أطفالها ولا تدري إلى أين تتجه.


صوت الحقائق.. والصمت الإداري

بعد أن أصبحت منشوراتها وشهاداتها مصدر إحراج للرواية الإسرائيلية، جاء الرد متوقعًا وقاسيًا، بعد خروجها المؤقت من القطاع، صُدمت تشيريفكو بقرار السلطات الإسرائيلية رفض تجديد تأشيرة دخولها، مما منعها فعليًا من العودة إلى مهمتها الإنسانية.

 لم يكن التبرير المعلن أكثر من ذرائع أمنية غامضة أو ادعاءات بمخالفة شروط التأشيرة، لكن الرسالة الحقيقية كانت واضحة: لا مكان في غزة لأولئك الذين يرفعون المرآة ليرى العالم الانتهاكات.

 لقد حوّلت إسرائيل تأشيرة الدخول إلى «سلاح» لفرض تعتيم إعلامي، ولترهيب أي موظف دولي آخر قد يجرؤ على قول الحقيقة.

 قرار منعها لم يكن مجرد إجراء إداري ضد شخص، بل كان ضربة موجهة لمبدأ الحياد والمراقبة الدولية المستقلة، ومحاولة صريحة لسرقة قصة المعاناة من أفواه ضحاياها.


استهداف ممنهج.. لطرد الشهود

قصة أولغا تشيريفكو ليست معزولة، بل هي حلقة في سلسلة ممنهجة من السياسات الإسرائيلية الرامية إلى تقويض عمل المنظمات الإنسانية الدولية وطرد الشهود المطلعين.

 تُظهر التقارير أن السلطات الإسرائيلية تستخدم «سلاح التأشيرات» بشكل علني، حيث لم يعد تجديدها للموظفين الدوليين - وخاصة من مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية «OCHA» - أمرًا روتينيًا، بل أصبح يخضع لتدقيق أمني صارم وقد يُرفض لأسباب غير واضحة. 

بلغ الأمر حد إصدار تشريعات في الكنيست الإسرائيلي تحظر أنشطة وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» وترفع الحصانة القانونية عن مقراتها، في محاولة لتفكيك أكبر مؤسسة إنسانية في القطاع. كما شملت هذه السياسة شطب تسجيل 37 منظمة إنسانية دولية كبرى - بما فيها أطباء بلا حدود ولجنة الإنقاذ الدولية - مما يهدد بوقف عملها الحيوي في مجالات الغذاء والصحة والمأوى.


المجتمع الدولي بين الإدانة والعجز

أثار منع أولغا تشيريفكو وغيره من العاملين في المجال الإنساني موجة من الإدانات الدولية والتحركات القانونية.

 في رأي استشاري تاريخي في أكتوبر 2025، أكدت محكمة العدل الدولية التزام إسرائيل، بصفتها قوة احتلال، بضمان وصول المساعدات الإنسانية "دون عوائق" وباحترام حصانة موظفي الأمم المتحدة.

 واعتبرت المحكمة أن عرقلة عمل وكالات الإغاثة تنتهك القانون الدولي الإنساني. كما حثت المحكمة إسرائيل سابقًا على تنفيذ تدابير مؤقتة لتمكين توفير الخدمات الأساسية بشكل عاجل.

 من جهتها، أعربت الأمم المتحدة عن قلقها العميق من أن منع موظفيها يعيق قدرتها على تقديم تقارير دقيقة. وقارنت منظمات حقوقية هذا الإجراء بـ«عقاب» للموظفين الشجعان الذين يرفضون الصمت، وهو جزء من نمط مستمر لخلق فراغ في المشهد الإعلامي والإنساني في غزة.

 إن معركة أولغا تشيريفكو للبقاء كـ«عين للعالم» ليست مجرد نزاع على تأشيرة دخول، بل هي الجبهة الأمامية لصراع أعمق: صراع بين إرادة العدالة التي تسعى لتوثيق الجرائم ومحاسبة مرتكبيها، وإرادة القوى السياسية التي تسعى لطمس الأدلة وقلب الصفحة دون مساءلة.


بين «عدالة أولغا» و«سلام دافوس»: هل يطوي الإعمار صفحة العقاب؟

وفي هذا السياق، يُطرح سؤال مصيري: بين «عدالة أولغا» التي تجسدها جهود التوثيق والشهادة، و «سلام دافوس» الذي تجسده مبادرات الإعمار السياسية، هل سيُطوى ملف العقاب نهائياً؟ فبينما تستميت شخصيات أممية شجاعة لإرساء دعائم العدالة عبر الحقيقة، تسعى قوى سياسية، بإمكانيات هائلة، إلى تحويل هذه الحقائق إلى مجرد «أضرار جانبية» في حسابات تاريخية أكبر. 

وهنا يكمن التحدي: ألا يُخفي «مجلس السلام» المفترض تحت وعود الإعمار محاولةً لـ«تبييض» سجل الجرائم ودفع ثمن الصمت السياسي؟ الخشية الحقيقية هي أن تتحول مشاريع إعادة الإعمار إلى مقبرةٍ لحقوق الضحايا، حيث تُستبدل المحاسبة القانونية بصفقات اقتصادية، وتُختزل المأساة الإنسانية في أرقام الميزانيات، هذا التحول لن يمحو الجرائم، بل سيكون اختباراً حاسماً لنزاهة الضمير الدولي برمته.

الأمل الوحيد المتبقي

ختامًا: في خضم اليأس، كانت أولغا تشيريفكو تمسك بشمعة الأمل الأخيرة. كانت تقول: «الأمل قد يكون كل ما يبقى لدينا، لذا علينا أن ندعمه».

 لكنها كانت تدرك جيدًا أن الأمل وحده لا يكفي لإبقاء الناس أحياء. كانت تؤمن بأن إنسانية الجميع - هي ونحن - «تملي علينا أن نتحرك الآن». 

رسالتها الأخيرة للعالم كانت تحذيرًا تاريخيًا: «سيحكم علينا التاريخ، ليس فقط فيما يتعلق بالخطابات التي نلقيها ولكن أيضًا بأفعالنا». 

بمنعها، لا تخسر أولغا وظيفتها فقط، ويخسر أصدقاؤها في غزة صوتًا أمينًا، بل يخسر العالم قطعة من ضميره الحي.

 قضيتها تثبت أن الحقيقة، مهما حاولوا طمرها تحت الأنقاض أو حبسها خلف حواجز التأشيرات، ستجد دائمًا من ينقلها.

 النضال من أجل رؤية ما يحدث في غزة ليس امتيازًا، بل هو حق إنساني أساسي، وأولغا تشيريفكو ستظل رمزًا خالدًا لكل من يرفض أن تُسرَق الحقيقة ويُطفأ النور.

تم نسخ الرابط